‏الرسامة الدنماركية “الزابيث باومان” 1865م وتشافي جروح الجسد والروح.

هذه اللوحة هي A Wounded Danish Soldier (الجندي الدنماركي الجريح)، رسمتها الفنانة Elisabeth Jerichau-Baumann عام 1865، وهي من أشهر أعمالها وأكثرها تأثيرًا. جاءت بعد عام واحد فقط من نهاية Second Schleswig War، الحرب التي مُنيت فيها الدنمارك بهزيمة قاسية أمام بروسيا والنمسا، ولذلك تعد اللوحة أيضًا مرثية وطنية بقدر ما هي مشهد إنساني.  

ما الذي نراه في اللوحة؟

للوهلة الأولى يبدو المشهد بسيطًا:

  • جندي مصاب يرقد على سريره.
  • رأسه ملفوف بالضماد، وذراعه معلقة بحمالة.
  • شابة تجلس بجانبه تقرأ من كتاب.
  • يداهما تتلامسان برفق.
  • نافذة يدخل منها ضوء الصباح، وبجوارها كأس ماء وزجاجات دواء.

لكن كل عنصر يحمل معنى عميقًا.

1. تشافي الجسد… وتشافي الروح

الجروح الظاهرة ليست سوى نصف القصة.

الرسامة لم تركز على الدماء أو ساحة القتال، بل على ما يحدث بعد الحرب؛ عندما يعود الجندي حيًا، لكنه مثقل بالألم النفسي والذكريات.

لهذا تبدو الشابة وكأنها تعالج جرحًا لا يراه أحد.

2. الكتاب ليس تفصيلاً عابرًا

الكتاب هو مركز هادئ في اللوحة.

يرجح كثير من الباحثين أنه كتاب ديني أو تراتيل كانت تُقرأ للمصابين من أجل السكينة والرجاء، لا لمجرد التسلية. وهنا يصبح العلاج بالكلمة موازيًا للعلاج بالدواء.  

3. تلامس اليدين

أقوى نقطة عاطفية في اللوحة.

الجندي لا يقبض على يدها بقوة، بل يلامسها بخفة.

هذا التلامس يوحي بالثقة والطمأنينة أكثر من كونه علاقة رومانسية، ولهذا اختلف المؤرخون: هل هي زوجته؟ خطيبته؟ أخته؟ أم ممرضة؟ والرسامة تعمدت ألا تجيب، حتى تصبح رمزًا لكل من يواسي الجريح.  

4. الزي العسكري المعلق

إذا دققت في يمين اللوحة ستلاحظ أن الزي العسكري معلق بعيدًا عن الجندي.

وهذه ليست صدفة.

فالجندي الآن لم يعد مقاتلًا، بل إنسانًا يحتاج إلى الرحمة. الرسامة نزعت عنه صفة البطل المنتصر لتُظهر هشاشته الإنسانية.

5. الضوء القادم من النافذة

الضوء ناعم ودافئ.

في الفن الأوروبي غالبًا ما يرمز هذا النوع من الإضاءة إلى:

  • بداية جديدة.
  • انتهاء ليلة طويلة من الألم.
  • عودة الحياة بعد ظلام الحرب.

6. الألوان

اختارت الرسامة لوحة لونية هادئة:

  • الأبيض في الفراش والضمادات يرمز إلى النقاء والأمل.
  • الأسود والرمادي في ثوب الشابة يعكسان الوقار والحزن.
  • الأخضر خارج النافذة يرمز إلى استمرار الحياة رغم المأساة.

7. الوردة الحمراء

في أسفل يسار اللوحة توجد وردة حمراء.

قد تبدو تفصيلًا صغيرًا، لكنها تضيف معنى مزدوجًا:

  • الحب والوفاء.
  • وجمال الحياة الذي يذبل سريعًا، تمامًا كما قد تذبل حياة الإنسان إن لم يجد من يرعاه.

وقد أشار متحف الدنمارك الوطني إلى الوردة بوصفها عنصرًا يعزز فكرة هشاشة الحياة.  

الرسالة الوطنية

كانت معظم لوحات ما بعد الحرب تمجد البطولة والانتصار.

أما إليزابيث يريخاو-باومان فاختارت أن تقول:

الثمن الحقيقي للحرب لا يُقاس بعدد المعارك، بل بعدد الجرحى الذين يعودون إلى بيوتهم.

ولهذا تحولت اللوحة من مشهد عائلي إلى رمز للهوية الدنماركية بعد الهزيمة، حيث يظهر الوطن في صورة إنسان مجروح يحتاج إلى التعافي، لا إلى مزيد من القتال.  

لماذا تعد هذه اللوحة مميزة؟

لأنها تجمع بين ثلاثة مستويات في عمل واحد:

  • قصة شخصية: رجل يصارع التعافي.
  • قصة عاطفية: امرأة تمنحه السكينة بالصبر والوجود.
  • قصة وطنية: أمة تحاول تضميد جراحها بعد حرب خاسرة.

وهذا ما يجعل اللوحة مؤثرة حتى اليوم؛ فهي لا تتحدث عن الحرب نفسها، بل عن اللحظة الأصعب بعدها: عندما تنتهي المعركة، ويبدأ شفاء الجسد… والروح